سيد محمد طنطاوي
39
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال الفخر الرازي ما ملخصه : اعلم أن كمال العذاب هو أن يزول عن الإنسان كل ما كان منتفعا به . ثم يجتمع عليه جميع الأسباب المؤلمة . أما الأول فهو المراد بقوله * ( لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ ولا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّه شَيْئاً ) * وذلك لأن المرء عند الخطوب والنوائب في الدنيا يفزع إلى المال والولد . فبين اللَّه - تعالى - أن صفة ذلك اليوم مخالفة لصفة الدنيا . ونظير هذه الآية قوله - تعالى - يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّه بِقَلْبٍ سَلِيمٍ . وأما القسم الثاني من أسباب العذاب فهو أن يجتمع عليه الأسباب المؤلمة ، وإليه الإشارة بقوله : * ( وأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ) * وهذا هو النهاية في العذاب ، فإنه لا عذاب أزيد من أن تشتعل النار فيهم كاشتعالها في الحطب اليابس « 1 » . ثم بين - سبحانه - أن حال الكافرين بالحق الذي جاءهم به النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كحال الذين سبقوهم في الجحود والعناد فقال - تعالى - : * ( كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) * . الدأب : أصله الدوام والاستمرار . يقال : دأب على كذا يدأب دأبا ودأبا ودؤبا ، إذا داوم عليه وجد فيه وتعب . ثم غلب استعماله في الحال والشأن والعادة ، لأن من يستمر في عمل أمدا طويلا يصير عادة من عاداته ، وحالا من أحواله فهو من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم . وآل فرعون : هم أعوانه ونصراؤه وأشياعه الذين استحبوا العمى على الهدى واستمروا على النفاق والضلال حتى صار ديدنا لهم . قال الراغب : « والآل مقلوب عن الأهل . ويصغر على أهيل إلا أنه خص بالإضافة إلى أعلام الناطقين دون النكرات ودون الأزمنة والأمكنة . يقال آل فلان ولا يقال آل رجل . . ولا يقال آل الخياط بل يضاف إلى الأشرف والأفضل ، فيقال آل اللَّه وآل السلطان ، والأهل يضاف إلى الكل فيقال أهل اللَّه وأهل الخياط كما يقال أهل زمن كذا « ؟ « 2 » . والمعنى : حال هؤلاء الكافرين الذين كرهوا الحق الذي جئت به - يا محمد - ولم يؤمنوا بك حالهم في استحقاق العذاب ، كحال آل فرعون والذين من قبلهم من أهل الزيغ والضلال ، كفروا بآيات اللَّه ، وكذبوا بما جاءت به من هدايات فكانت نتيجة ذلك أن أخذهم اللَّه أخذ عزيز مقتدر حيث أهلكم بسبب ما ارتكبوه من ذنوب ، واللَّه - تعالى - شديد العقاب لمن كفر بآياته .
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 198 . ( 2 ) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص 30 .